الشيخ الطبرسي
102
تفسير مجمع البيان
( الرحيم ) بأهل طاعته ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) أي : أحكم كل شئ خلقه ، وأتقنه ، عن ابن عباس ، ومجاهد . وقيل : معناه علم كيف يخلق كل شئ قبل أن خلقه ، من غير أن يعلمه أحد ، عن مقاتل ، والسدي ، من قولهم فلان يحسن كذا أي : يعلمه . وقيل : الذي جعل كل شئ في خلقه حسنا حتى جعل الكلب في خلقه حسنا ، عن ابن عباس . والمعنى : إنه أحسن خلقه من جهة الحكمة ، فكل شئ خلقه وأوجده ، فيه وجه من وجوه الحكمة تحسنه . وفي هذا دلالة على أن الكفر والقبائح لا يجوز أن يكون من خلقه . ( وبدأ خلق الانسان من طين ) أي ابتدأ خلق آدم الذي هو أول البشر ، من طين كان ترابا ، ثم صار طينا ، ثم صلصالا ، ثم حيوانا . ( ثم جعل نسله ) أي نسل الانسان الذي هو آدم يعني ولده ( من سلالة ) وهي الصفوة التي تنسل من غيرها . ويسمى ماء الرجل سلالة ، لانسلاله من صلبه . ( من ماء مهين ) أي : ضعيف ، عن قتادة . وقيل : حقير مهان . أشار إلى أنه من شئ حقير لا قيمة له ، وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل . ( ثم سواه ) أي : جعله بشرا سويا ، وعدله ، ورتب جوارحه . ( ونفخ فيه ) أي : في ذلك المخلوق ( من روحه ) أضاف الروح إلى نفسه إضافة اختصاص وملك ، على وجه التشريف . ثم قال سبحانه مخاطبا لذريته : ( وجعل لكم ) أيها الخلق ( السمع والأبصار ) لتسمعوا المسموعات ، وتبصروا المبصرات ( والأفئدة ) أي : وجعل لكم القلوب لتعقلوا بها ( قليلا ما تشكرون ) أي : تشكرون نعم الله قليلا من كثير . وما : مزيدة . ويجوز أن يكون ( ما ) مصدرية ، فيكون تقديره : قليلا شكركم لهذه النعم . ( وقالوا ) يعني منكري البعث ( أإذا ضللنا في الأرض ) أي : غبنا في الأرض ، وصرنا ترابا ، وكل شئ غلب عليه غيره حتى يغيب فيه ، فقد ضل . قال الأخطل : فكنت القذا في موج أكدر مزبد قذف الآتي به ، فضل ضلالا ( 1 ) وقيل : إن معنى ضللنا هلكنا ، عن قتادة ومجاهد . ( أإنا لفي خلق جديد ) أي : نبعث ونحيى ، فهو استفهام معناه الانكار ، والمعنى : كيف نخلق خلقا
--> ( 1 ) القذى : ما يحمله السيل من تبن ونحوه . ومزبد أي : ذو زبد . والأتي : السيل . الجدول قذف رجلا بقلة عنائه في الحرب ، لي إنه كان في تلك الحرب بمنزلة القذى قي الماء الكدر الذي يقذف به السيل ، أو بعض الجداول ، لا يرى له عين ، ولا أثر .